عبد الملك الجويني
39
نهاية المطلب في دراية المذهب
اللعان يُثبت الزنا [ عليها ] ( 1 ) ولا يتصور مع ذلك أن نطالبه بالحد . ولو قال الزوج لما ادعت القذفَ : ما قذفتُك ، فأقامت شاهدين أنه قذفها ، فللزوج أن يلتعن ، فإن قوله ما قذفتك يمكن حمله على أن الذي تقدم مني لم يكن قذفاً ، وإنما كان قولاً حقّاً ، فإذا ذكر الزوجُ هذا التأويلَ الذي ذكرناه ، وأراد الالتعان من غير قذفٍ جديد ، فله ذلك . ولو قال : ما قذفتك ، فلما قامت عليه البينة ، لم يذكر التأويل الذي ذكرناه ، ولم يجدد قذفاً ، فهل له أن يلاعن ؟ فعلى وجهين : أحدهما - ليس له اللعان ؛ لأنه يصير [ بهذا ] ( 2 ) مكذباً نفسه ، وقد أنكر أصل الرّمي ، وعلى إنكاره قامت البينة ، فكيف يقول : " إني لمن الصادقين فيما رميتها به " - وما كان رماها ( 3 بزعمه . والوجه الثاني - له أن يلاعن ؛ لأنه وإن أنكر القذف 3 ) ، فقوله مردودٌ عليه بالبينة ، فصار كأنه لم يكن . وشبه هؤلاء هذه المسألة بما لو اشترى شيئاً ، فظهر [ أنه ] ( 4 ) مستحَق ، وقامت الخصومة ، فقال : المشتري للمستحِق في أثناء الخصومة : هذا الشيء كان ملك فلان ، فاشتريته منه ، فإذا قامت البينة على الاستحقاق ، وانتُزِع الشيء من يده ، فله أن يرجع بالثمن على البائع ، وإن كان أقر له بالملك في أثناء الخصومة ؛ لأن إقراره رُدّ عليه بالبينة ، وأيضاً ، فإن قوله : " أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتُها " يتضمّن قذفاً ، وكأنه ابتداء قذفٍ ولعانٍ . وهذا ضعيف ؛ إذ لو جاز اعتماده ، لجاز ابتداء كل زوج باللعان من غير تقديم قذف . فهذا بيان الفصل .
--> ( 1 ) في الأصل : عليه . ( 2 ) في النسختين : بها . والمثبت من المحقق . ( 3 ) ما بين القوسين ساقط من ( ت 2 ) . ( 4 ) زيادة اقتضاها السياق .